اسماعيل بن محمد القونوي
19
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الخ والمبالغة في الوصف إن كان المدعي ممكنا عادة وعقلا فتبليغ وإن كان ممكنا عقلا لإعادة فاغراق كقوله : ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه من الكرامة حيث مالا كذا في فن البديع وما نحن فيه من هذا القبيل محل نظر فتدبر والمبالغة في عمومها حتى وهو طلب مطلق الغفران فيراد بالاستغفار في حق المؤمنين خاصة غفران الذنوب وإزالة العقاب في الآخرة وإيصال الثواب كما قال ههنا فاغفر ثم قال : وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [ غافر : 7 ، 8 ] وفي حق الكافرين ترك معاجلة العقاب في الدنيا بشؤم كفرهم كما ذكر في الفرقان في قوله : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [ الفرقان : 6 ] وفي حقهما جميعا بإدرار الرزق والارتفاق بما خلق لهم من المنافع الجمة وبالترحم فيما بينهم يعضده تذييل تلك الآية بقوله : أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الشورى : 5 ] حيث صدره بكلمة التنبيه المؤذنة بالتحقيق وأردفها بأن المؤكدة وأتي بالاسم الجامع ووسط بضمير الفصل بين المعرفتين فإذا هذه الآية التي في سورة المؤمن مختصة بمن وجد منهم الإيمان بدليل العدول من المؤمنين إلى الذين آمنوا وأما قوله : وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فكأن المقدمة للاستغفار والوسيلة إلى طلب الحاجة فيجب أن يقصد العموم فيها ليكون انجح إلى المطلوب يعني شأنك هذا فافعل بهؤلاء خاصة في الآخرة ما هم مفتقرون إليه حينئذ فإذا الفاء في فاغفر مرتبة للدعاء على الوصفين فإن قلت جعل الرحمة علة للمغفرة ظاهر فما بال العلم قلت معناه حققنا أن رحمتك وسعت كل شيء فاغفر للذين تابوا واعرفوا أن علمك أحاط بكل شيء فأنجح مقاصدهم ما علموا وما لم يعلموا فإنك أعلم بأحوالهم ومصالحهم وعليه قول الخليل عليه السّلام رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ [ إبراهيم : 38 - 39 ] فإنه عليه السّلام جعل العلم وحده وسيلة إلى الطلب قال الزمخشري في تفسيره إنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا ويفسدنا منا وأنت أرحم بنا منا وانصح لنا بأنفسنا تم كلامه وههنا نكتة في نهاية من اللطف ولا بد من اظهارها وهي أن الخليل عليه السّلام حين وصف اللّه تعالى بسعة العلم واستلزم ذلك سعة الرحمة واستغرق في بحار الرحمة ورأى أن رحمته وسعت كل شيء طمع في غفران والديه قال اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [ إبراهيم : 41 ] فأدخل الكافرين في الرحمة والغفران فضلا عن المؤمن ذكر صاحب الكشاف نحو هذا في سورة التوبة عند قوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] وما نحن بصدده أولى وأحرى بالرجاء وكيف لا وقد نص اللّه تعالى على ذكر الرحمة والعلم وفي الكشاف فإن قلت قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملا على حديثهما جميعا وما ذكر إلا الغفران وحده قلت معناه فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك وسبيل اللّه سبيل الحق التي نهجها لعباده ودعا إليها إنك أنت العزيز الحكيم أي الملك الذي لا يغلب وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا إلا بداعي الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك تم كلامه خلاصة السؤال أن الفاء في فاغفر مما يعقب بالتفصيل المفصل والمفصل مشتمل على شيئين وليس في التفصيل إلا شيء واحد وأجاب أن العلم مندرج في قوله : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا [ غافر : 7 ] ومراد منه إذ ليس المراد أنهم يستغفرون لمن آمن مطلقا كما يقتضيه مطلق قوله : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : 7 ] أي الذين وجد منهم الإيمان بل لمن آمن وعلم